لا حديث في شوارع ومقاهي ومنازل بلدية رايس حميدو في الجزائر العاصمة،
هذه الأيام، سوى عن مأساة الـ13 شابا من أبناء “لابوانت” الذين قضى
غالبيتهم غرقا على ضفاف جزيرة سردينيا، بعدما خرجوا يوم الاربعاء الماضي
على متن قارب الموت في رحلة غير شرعية في اتجاه الإيطالية، لتعود اخبارهم
بعد أسبوع لأهاليهم تباعا بين موت عدد منهم وتوقيف آخرين من قبل حراس
الحدود، فيما تنتظر سبع عائلات منهم أي جديد عن أبناءهم المفقودين.
مأساة وقفت عليها TSAعربي، من داخل بيوت عدد من عائلات هؤلاء الشباب
الذين اختاروا ركوب قوارب الموت بحثا عن الحياة في أوروبا، لتنتهي أحلامهم
كوابيس تطارد أهاليهم المفجوعين في فلذات أكبادهم بعد وصول أخبار عن تعطل
القارب الذي ركبوه من شاطئ عنابة مقابل 18 مليون سنتيم عن كل شخص، وفشلهم
في الوصول إلى شاطئ الأحلام الذي تحوّل في ظرف دقائق ـ حسب الروايات ـ إلى
شاطئ للموت، بعدما اضطر عشر شباب من بين الـ13 الى القفز إلى البحر في
محاولة للنجاةّ، محاولة كانت أمواج البحر أقوى منها.
صور من مستشفى إيطاليا تؤكد وفاة الشابين “غيلاس” و”الهادي”
في بيت غيلاس (26 عاما) أحد الشباب الذين تأكدت وفاتهم رفقة جاره عبد
الهادي ليلة أمس الأربعاء بعد وصول صور لهم من مصلحة حفظ الجثث من إحدى
المستشفيات في إيطاليا حسب رواية لوالدة المتوفي، وقفنا على مأساة أم تبكي
بلوعة وحرقة أبنها وتطالب السلطات الجزائرية نقل جثمانه اليها لتدفنه
بالقرب منها، متشبثة بوعد رئيس بلدية رايس حميدو الذي وعد بالتكفل بنقل كل
الشباب المتوفين شريطة أن تنتظر العائلات الى حين العثور على باقي الجثث
لنقلها في رحلة واحدة.
وعن ظروف رحيل غيلاس المشهود بأخلاقه وسط عائلته و جيرانه، تؤكد الأم في
تصريحها بأن الظروف الاجتماعية الصعبة التي كان يعيشها إبنها كانت وراء
قراره بأن يرمي نفسه في البحر، وتوكد محدثتنا التي كانت تلتقط أنفاسها
بصعوبة بأن غيلاس لم يكن يبحث سوى عن العيش الكريم و ضمان مستقبل أفضل في
أوروبا بعدما فقد الأمل في العثور على عمل مستقر في بلاده.
على بعد خطوات، فتحت أبواب بيت عبد الهادي المدعو “دادي” ذوالـ34 عاما،
للعزاء أمام أهله وجيرانه ومحبيه، الذين توافدوا للوقوف إلى جانب والدته
التي فقد وحيدها مباشرة بعد وصول صور تؤكد خبر وفاته رفقة غيلاس، ورغم ما
تظهره السيدة فايزة من صلابة و تماسك أمام المعزّين، إلا أنها لا تكفّ عن
تكرار الحوار الذي جرى بينها و بين إبنها قبل أن يغادر البيت يوم الثلاثاء
الفارط، مؤكدة “عبد الهادي كان يعيش ظروفا اجتماعية عادية على اعتبار انه
وحيدي، إلّا أن رغبته في الظفر بفرصة العمل في أوروبا كان حلما بالنسبة له
لتحسين ظروف معيشة أمه التي تكفلت بتربيته منذ وفاة والده”. لتعود وتؤكد
بانها لا تريد حاليا سوى أن يؤتى لها بجثة إبنها لتدفنه ويستريح قلبها.
يونس وحفيظ وآخرون في عداد المفقودين
وفيما تنتظر عائلي غيلاس والهادي وصول جثمان أولادهما، لا تزال عائلتي
يونس (23 عاما) وحفيظ ( 22 عاما)، تتذوق مرارة انتظار أي جديد عن أبنائهم
الذين لا يعرف لحد الساعة مصيرهم مع ان كل التوقعات ترجح وفاتهم ما بين
يومي الخميس و الجمعة تاريخ تعطل القارب. خبر تؤكد روايات بعض الجيران
والأصدقاء الذين استطاعوا التواصل مع الشباب الثلاثة الموقوفين حاليا من
قبل حراس السواحل في إيطاليا والذين تحدثوا عن رمي عشر شباب من بين الـ13
لأنفسهم في البحر، لم تظهر منهم سوى جثتي غيلاس و الهادي و شاب ثالث لم
تحدد بعد هويته و ان كان حيا او ميتا.
أخبار و أقاويل باتت المصدر الوحيد الذي يتبعه والد يونس و اخوه الذين
القيناهما في حالة من الذهول والقلق و الحزن و الترقب لأي جديد عن يونس
الابن الأصغر في العائلة، لم يخفي الرجلين دموعهما و هما يتحدثان الينا
مناشدين السلطات الجزائرية بمساعدهم في العثور على ابنهم المفقود، الذي مات
و هو يبحث عن الحياة على حد تعبير أخ يونس الذي تحدث بحزن و اسى عن الظروف
الصعبة التي كان يتخبط فيها اخوه الأصغر، الذي كان قد تحصل على شهادة تقني
في الكهرباء ليسلّم نفسه بمحض ارادته للجيش الوطني لتأدية الخدمة الوطنية
ومنها يبدا مشوار البحث عن العمل الذي ظل حلما صعب المنال بالنسبة اليه
ليجد البحر آخر رهان له للعيش أو الموت، و يؤكد محدثنا الذي نفى معرفته
بخطة أخيه يونس وصديقه حفيظ للحرقة . على ان سيناريو الحرقة لن ينته بهذه
الحادثة بل سيستمر في لابوانت، وبشكل أخطر في حال عدم تصدي الجهات الأمنية
للوضع.
“أيوب” احد الناجين الثلاثة يروي تفاصيل رحلة الموت
في نفس الحي كانت أخبار نجاة أيوب (22 عاما)، خيط أمل بالنسبة للكثير من
العائلات التي تعيش على أمل سماع أخبار ابناءهم، بعدما تمكن أيوب من
التواصل مع عائلته و عائلات عدد من أصدقاءه عبر الواتساب، من داخل مركز
الايواء الذي اودع فيه من قبل حراس السواحل الإيطالية الى حين ترحيله الى
الجزائر، و حسب الاتصال الذي حضرناه بين أيوب ووالدة الهادي السيدة فايزة،
فقد أكد أيوب بانه كان من بين الثلاث شباب الذين لم يغادروا القارب، على
خلاف اصدقاءهم العشرة الذين اختاروا الوصول القفز في البحر في محاولة
للنجاة إلاّ أن علو الأمواج كان كفيلا بأن يلتهمهم في ظرف اقل من ربع ساعة
حسب رواية أيوب الذي يؤكد صهره الذين تحدثنا اليه بانه يبدو في حالة نفسية
سيئة بعد التجربة الصعبة التي عاشها و التي يامل محدثنا بان تكون عبرة لكل
الشباب الجزائري الذي بات يرمي بأنفسه الى البحر مقابل وهم الوصول الى
أوروبا.
مطالب بفتح تحقيق لكشف هوية “العنابي” المخطّط لعمليات الحرقة
وعن ظروف رحيل هؤلاء الشباب، يروي ياسين واحد من جيران الشباب الحراقة ،
حيث يوقل ياسين بأن هؤلاء الشباب خرجوا من أحد شواطي عنابة ، بعد اتفاقهم
مع شخص من عنابة يلقب “بالحراق” و الذي بات معروفا بين الشباب في راي حميدو
و هو الذي يتكفّل بمنحهم القارب و اعطائهم الارشادات مقابل 18 مليون عن كل
شخص، فيما لا يغامر هذا الأخير بالخروج مع هؤلاء الشباب في رحلات الموت ـ
حسب ذات الروايةـ ، و يضيف ياسين بأن هذا العنابي يكون قد دخل إلى بلدية
رايس حميدو منذ مدة و عقد صداقات مع عدد كبير من شباب لابوانت بهدف إقناع
أكبر عدد منهم على بالهجرة غير الشرعية، و يؤكد محدثنا بان هذا الأخير كان
قد وعد بـ”إخلاء رايس حميدو من الشباب”.
رواية أكدها عدد كبير من سكان البلدية الذين يطالبون السلطات الأمنية
بفتح تحقيقات للبحث عن هوية هذا العنابي الذي بات يهدد شباب العاصمة من
خلال الاستثمار في ظروفهم الاجتماعية الصعبة التي تزيدها البطالة سوءا. كما
عاد كل الذين التقيناهم الى مناشدة السلطات الجزائرية الى مد يد العون الى
تلك العائلات في الوصول إلى اخبار عن ابناءهم ومساعدتهم في نقل الأحياء
منهم و الأموات إلى أهاليهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق